نصر حامد أبو زيد

21

الاتجاه العقلي في التفسير

عليها « مرجئة الخوارج » 34 ولعل في ذلك ما يؤكّد ما يذهب إليه بعض الباحثين من أن المرجئة حاولوا « تثوير » عقائدهم » « إذ تأثّرت بآراء الخوارج والشيعة في الثورة على الظلم ، كما تبنّت بعض مبادئ القدرية في الحرية الانسانية » 35 . ولقد يبدو في الجمع بين آراء القدرية أو الشيعة أو الخوارج وبين القول بالإرجاء نوع من التناقض . فالإرجاء أو التوقف عن الحكم على الحاكم الجائر أو مرتكب الكبيرة يعني السلبية إزاء معطيات الواقع اليومية ، كما أنه يتناقض مع الخروج وحمل السيف وهو ما فعله جهم بن صفوان ( ت 128 ه ) حيث كان في صفوف الحارث بن سريج الذي خرج على هشام بن عبد الملك لأنه « فاجأ . . . الموالي بضريبة خراجية لا قبل لهم باحتمالها » 36 . ويبدو التناقض أشد مع جهم ابن صفوان بالذات لأنه جبري إلى جانب أنه مرجئ . ولكن هذا التناقض تخف حدته إذا نظرنا لثورة جهم وفكره في ظل السياسة المالية والضرائبية إزاء الموالي في العصر الأموي . وإذا استثنينا عصر عمر بن عبد العزيز من الخلفاء الأمويين ، وجدنا سياستهم تتسم بالاستغلال . فقد ألغى الحجاج - والي عبد الملك بن مروان - رفع الجزية عمّن يدخل الاسلام من أهل الذمّة ، ووضع بذلك مبدأ خطيرا يتناقض مع نصوص الاسلام الصريحة وذلك تلافيا للنقص في بيت المال . وكان من شأن هذا القرار أن يثير ثائرة الموالي المسلمين ، الذين رفع عنهم الاسلام هذا القيد المادي . فإذا أضفنا إلى ذلك سوء معاملة الموالي بشكل عام ، واعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية « لم يصلوا إلى التمتع بالحقوق المدنية للمواطنين ولا بالحقوق الحربية ومزاياها المادية ، فاعتبروا موالي للقبائل العربية ، ولم تتسع لهم الدولة الثيوقراطية إلّا على هذه الصورة ، أعني صورة التبعية للقبائل العربية » 37 إذا وضعنا في اعتبارنا كل ذلك ، نجد من الطبيعي أن يشترك جهم بن صفوان في ثورة الحارث بن سريج وهي ثورة كانت موجهة أصلا ضد هشام بن عبد الملك الذي فرض على الموالي ضرائب جديدة لا قبل لهم باحتمالها . وكان عمر بن عبد العزيز قبل ذلك قد رفع عنهم الجزية وعاملهم معاملة المسلمين العرب بكل حقوقهم وواجباتهم . وليس من الطبيعي أن يتحوّل جهم بن صفوان من التبرير إلى الثورة دون أن تتطور أفكاره . ومع ذلك فالمصادر التي بين أيدينا تكتفي بذكر المقالات كاملة دون بيان لتطورها عند نفس المفكر أو عند اتباعه الأمر الذي يجعلنا نظلّ في مجال التخمينات والافتراضات . ويفترض محمد عمارة أن جهم بن صفوان نقم على الأمويين « موقفهم الذي يرفض الاعتراف باسلام الموالي من أهل فارس وخراسان ، بحجة أن اسلامهم غير خالص للّه » ويضيف « فالجهمية كالأمويين كانوا جبرية